عمر فروخ
62
تاريخ الأدب العربي
القرآن الكريم « 1 » كلها تدور على أن الحنيف هو الشخص على ملّة إبراهيم ( وكان إبراهيم قبل موسى بزمن طويل ) . وتصف هذه الآيات الكريمة الرجل الحنيف على ملّة إبراهيم بأنه ليس يهوديا ولا نصرانيا ولا مشركا باللّه ، ولكنّه على « فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها » « 2 » : موحّد يعمل الصالحات . ويحسن الاستشهاد هنا بآيتين . جاء في سورة البقرة ( 2 : 135 - 136 ) : « وَقالُوا : كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا ؛ قُلْ : بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً ، وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . قُولُوا : آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ ، وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ ، لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ ، وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ » . وهنالك موضع آخر فيه شيء من التفصيل . جاء في سورة الحجّ ( 22 : 30 - 31 ) : « ذلِكَ ، وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ ( 2 ) فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ، وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ . فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ ، وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ : حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ » . وكان إلى جوانب الجوالي المسيحية واليهودية في بلاد العرب أفراد اعتنقوا اليهودية كالسموأل ، فيما قيل ، أو النصرانية كقس بن ساعدة . أما فيما يتعلق بالنصرانية خاصة ، فهنا موضع للملاحظتين : أولاهما أننا لا نجد للنصرانية أثرا في أدب هؤلاء . ليس في أدب هؤلاء ذكر لركن من أركان النصرانية ولا لإشارة خاصة بالنصرانية ، على ما نعرف اليوم من حال هذه الديانة ، ولا لقسم مسيحي على كثرة ما كان الجاهلي يقسم بالأوثان . وأما الملاحظة الثانية فهي فرع من الملاحظة الأولى : ما الشيعة النصرانية التي انتشرت بين هؤلاء العرب ؟ لا ريب في أن النصرانية تفرقت شيعا كثيرة ، منذ القرن الأول للميلاد « 3 » ، وقد كانت كل هذه الشيع تتفرع من الجدال : أإله عيسى أم إنسان ؟ وإذا نحن استعرضنا النصوص التي يزعم شيخو وأنداده
--> ( 1 ) 2 : 135 ؛ 3 : 67 ، 195 ؛ 4 : 124 ؛ 6 : 79 ، 162 ؛ 10 : 105 ؛ 16 : 120 ، 123 ؛ 22 : 31 ؛ 30 : 30 ؛ 98 : 5 . ( 2 ) سورة الروم 30 : 30 . ( 3 ) راجع ديوان البدع للمطران جرمانوس فرحات .